المقريزي
81
المقفى الكبير
بالمسجد الجامع ، وولّى عليها أمينا من قبله ، وهو أوّل القضاة فعل ذلك . وترك تلقّي الأمراء والسلام عليهم . ولا عن بين رجل وامرأته ، ونفى وضرب الحدّ في سبّ أمّ المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها وتهدّد بالرجم . وقتل نصرانيّا سبّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم بعد أن جلده الحدّ . وأمر بضرب عنق رجلين نصرانيّين شهد عنده أنّهما ساحران ، فكانت بينه وبين يزيد بن عبد اللّه الأمير في ذلك منازعة . وهدم مسجدا بناه خراسانيّ بين القبور . ولم يكن في ولايته خلل سوى في بيت مال القضاة ، فإنّ أمره لم يجر على استقامة من أجل أنّه دفع مفتاحه إلى أخيه محمد بن مسكين ولإبراهيم بن أيّوب ليخرجا منه شيئا ، فاتّهم إبراهيم أنّه سرق منه ثلاثين ألف دينار ، ثمّ كتبت رقعة إلى الحارث بالطعن في ولاته ، فاستبدل بكتّابه وأعوانه وغيّرهم . وشهد عنده رجل ، فقال له : ما اسمك ؟ قال : جبريل . فقال له : لقد ضاقت عليك أسماء بني آدم حتى سمّيت بأسماء الملائكة ؟ فقال له الرجل : كما ضاقت عليك الأسماء حتّى سمّيت باسم الشيطان ، فإنّ اسمه الحارث . وفي رواية أنّ رجلا تقدّم إليه في خصومة ، فناداه رجل باسمه وكان اسمه إسرافيل ، فقال له الحارث : ما حملك على أن تسمّى بهذا الاسم ، وقد قال صلّى اللّه عليه وسلم : لا تسمّوا بأسماء الملائكة ؟ فقال له : فلم سمّي مالك بن أنس ، وقد قال اللّه تعالى : وَنادَوْا يا مالِكُ [ الزخرف : 77 ] ؟ ثمّ قال : واللّه لقد تسمّى الناس بأسماء الشياطين ، فما عيب ذلك - يعني الحارث ، ويقال : هو اسم إبليس لعنه اللّه . وحضر الحارث جنازة في جمع من وجوه مصر ، وفيهم يونس بن عبد الأعلى ، فأخذ يونس في كلام الزهّاد والحكاية عن الصالحين حتى بكى من حضر . فالتفت الحارث إلى يونس ، وقال له برفق : أنت تحسن هذا كلّه ، وأنت تصنع وتصنع ؟ فقال له يونس : أنت قاض ، وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكّين . وكان الحارث منحرفا على يونس ، فاتّفق أنّه شهد عنده بشهادة وانصرف . فأسقط في يديه وعلم أنّ أصحاب مسائل الحارث ، وهم أبو برد أحمد بن سليمان بن برد ، وعمرو ويزيد ابنا يوسف بن عمرو سيجرحونه ، فرجع إلى الحارث من وقته [ 484 أ ] وقال : أصلح اللّه القاضي ، إنّي شهدت اليوم شهادة وفي قلبي منها شيء ، لست أحقّها . فأوقف الحارث الشهادة ، وبلغ أصحاب مسائله ذلك ، فقالوا : أفلت يونس من أيدينا . ودخل إلى الحارث رجل فخاطبه بشيء ، فقال له الحارث : من يشهد لك ؟ قال : محمد بن عبد اللّه بن عبد الحكم . فقال له الحارث : قل له إن كان رجلا فليأت وليشهد . فقال رجل من أهل العراق : ما أعجب أمركم يا أهل مصر ! يكون سليم الأسود الخادم معدّلا فيكم ، ومحمد بن عبد اللّه بن عبد الحكم مجروح ؟ فسمعه سليم فقال : يا هذا ، إنّي لم أخن